هنيئا لك أبا عمر هذه الخاتمة الحسنة
حقيقة الدنيا حقيقة مرة لمن تأملها حق التأمل فهي أن ضحكت قليلا فقد أبكت كثيرا ويبقى المؤمن الحقيقي على يقين تام بان أجله لا محالة قادم في صبح أو مساء أو ظهر أو عشاء و العبرة كل العبرة ليست في انتهاء الآجال و انقضائها ولكن العبرة كل العبرة في كيفية انقضائها، كثيرا ما يمر بنا في حياتنا أن فلانا من الناس قد مات فيتبادر للأذهان كيف مات ؟و هذه الحقيقة المرة اعني كيف مات هي التي عليها المعول والأساس أو بمعنى آخر ما هي خاتمته ؟؟؟ فان كانت خاتمة حسنة هونت وقع المصيبة وسلت عن النفس شيئا من أحزانها وان كانت غير ذلك زادت من وقعها و اليم وخزها .
أيه الأحبة : دعوني أبحر بكم في صورة ناصعة من صور حسن الختام وهي صورة مرت بنا في الأيام القلائل الماضية في مدينة التويم بسدير ففي يوم الثلاثاء الموافق 9/3/1431هـ وبعد أن أذن المؤذن لصلاة الظهر أرسل الله ملك الموت إلى مدينة التويم وقد أوكله الله بقبض روح عبد من عباده الأتقياء الأنقياء الذين نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله احد بعثه الله والناس في سباتهم لاهون وفي غفلتهم غارقون توجه ملك الموت إلى مدرسة مليئة بالطلاب والمعلمين يا ترى من هو الشخص الذي سيكون اجله في هذه الساعة ؟ من صاحب الأجل الذي انتهى اجله في هذه الساعة ؟ وملك الموت يتنقل بين الطلاب والمعلمين وبينما هم في صلاتهم يصلون توجه إلى من أوكل بقبض روحه فوجده يصلي في الركعة الأولى قد ابتدأ سورة الفاتحة في ساعة من أفضل الساعات ودقائق من أعظم الدقائق توجه إلى معلم ورع زاهد وعلى حبه الجميع شاهد ! توجه إلى وكيل المدرسة أبي عمر عبد العزيز بن منصور السويدان صاحب الخلق الرفيع والأدب الكبير وهناك قبض ملك الموت روحة وقضي اجله وهو في صلاته مقبل على ربه واقفا بين يديه وسيبعث إن شاء الله وهو واقف مصلي لربه مصداقا لحديث جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ) رواه مسلم وقد ورد أن المرء يموت على ما عاش عليه ويُبعث على ما مات عليه وهذه حقيقة مشاهدة فمن كانت الصلاة همه مات عليها ومن كانت عيشته في غناء وطرب مات على اللهو . وثبت عند أحمد عَنْ حُذَيْفَةَ (رضي الله عنه ) عن النبي (عليه الصلاة والسلام ) قال: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بِه دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)
أبو عمر كنية كثيرا ما ترددت على المسامع في مدينتا مدينة التويم !! إذا قيل
ابو عمر تبادر للأذهان عبد العزيز بن منصور السويدان ذلكم الرجل المفضال صاحب العطاء والإباء .
كثيرا ما كنت أسامره بعد خروجنا سويا من الجامع عن آماله وطموحاته التي بلغت قمم الجبال في بذل الخير و النصيحة ، كانت همته أن ان يخدم القران الكريم فقط! كانت أهدافه بذل الخير للناس وبين الناس خرجت من الجامع ذات يوم فإذا هو قائم على سيارته و قد ملأها من الخضار و الثمار التي جلبها من مزرعته وإذا هو قائم يوزعها على الضعفاء والمساكين فتذكرت قوله سبحانه (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) اسأله سبحانه أن يطعمه من ثمار الجنة ويسقيه من أنهارها
ابو عمر رجل فارقنا و هو في مقتبل عمره لكنها مفارقة ليست كأي مفارقة و خاتمة ليست كأي خاتمه إنما خاتمه يتمناها أي مؤمن على وجه هذه البسيطة ، لقد مات رحمه الله في مدرسته وبين طلابه وهو مقبل على ربه متوضأ حتى انه لم يكمل قراءة الفاتحة .
الم أقل لكم إنها خاتمه مباركة ومن عبد مبارك صلى الفجر في الجامع جماعة وما علمنا بأنها ستكون آخر صلاة له ،روى مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
قال الطيبي رحمه الله : " وإنما خص صلاة الصبح بالذكر ؛ لما فيها من الكلفة والمشقة ، وأداؤها مظنة خلوص الرجل ، ومنه إيمانه ؛ ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله تعالى وعهده . "
مات رحمه الله و هو يحمل في قلبه حب الخير ومساعدة الآخرين ومجانبة القيل والقال فقد كان رحمه الله كما ذكر لي أكثر من مرة بأنه يحب الجلوس في مزرعته بعيدا عن القيل والقال وذلك من ورعه وزهده رحمه الله .
ودعنا رحمه الله وهو شعلة من الخير لا تنطفئ و شمعة من العطاء لا تنقضي ودعنا بعد أن كان همه الأول والأخير هو كيف ننشئ مبنى للتحفيظ يلم شتات الدارسات من النساء و يكون منطلق دعوة وإصلاح وتوجيه وتعليم لكتاب الله ،أمضى وقتا طويل في تتبع إجراءات استخراج ارض البناء ما بين الرياض وهنا ومع ذلك لم يكل أو يمل (عن انس ابن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال(من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه و جمع له شمله و آتته الدنيا و هي راغبة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له)
لست هنا اذكر مآثره أو أعددها وإنما أذكر غيضا من فيض من أناس تركوا فراغا بفقدهم وإلا فهناك الكثير من الناس من يموتون دون أن يشعر بهم احد بل إن موتهم في بعض الأحيان راحة للعباد والبلاد
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الــرزية فقد حر يمـوت بموته خلق كثير
أحبتي : أحببت أن أسوق إليكم سيرة عطرة لخاتمة حسنة من شخص اشتهر بالفضائل العظيمة ثم بعد ذلك ودعنا و ارتحل. أليست تلكم الخصال الحميدة من المبشرات التي تؤذن بحسن الخاتمة إن شاء الله لذا فلا غرو أن يموت رجل تحلى بهذه الصفات الحميدة ميتة حسنة و خاتمة مباركة ، مات رحمه الله و هو مقبل على ربه قد توضأ و تطهر وأمر بمعروف ونهى عن منكر بين طلابه مات رحمه الله وهو يقرأ الفاتحة في صلاته وبين يدي ربه سبحانه.
إننا لا نحكم لأحد بجنة أو نار لكن هناك مؤشرات ودلالات تدل على حسن الختام وما شاهدناه في جنازة أبي عمر من اكتظاظ و زحام ممن قدم للصلاة عليه من أناس أكثرهم لم يعرفه وإنما سمعوا جميل أخلاقه وحسن وفاته حتى اضطر الكثير للصلاة عليه في الطرقات إن ذلكم أيه الأحبة لهو من البشرى العاجلة للمؤمن في هذه الحياة وحقا موعدكم يوم الجنائز كما ذكر الأمام احمد ، الم تسمعوا الذكر الحسن والثناء العطر من كافة أفراد المجتمع لهذا الرجل المبارك؟؟؟ ان ذلكم لهو مصداق للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مرت به جنازة فأثنى عليـها الصحابة خيرا ، فقال صلى الله عليه وسلم: (وجبتْ). ثم مرت جنازة أخرى، فذكرها الصحابة بالشر، فقال صلى الله عليه وسلم: (وجبتْ). فسأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- النبي صلى الله عليه وسلم عما يريده بقوله هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) [متفق عليه]. نسأله سبحانه أن يغفر لأخينا أبي عمر وان يعلي منزلته في جنات النعيم وان يخلف على محبيه و ذويه بالبركة وان يجمعنا به في جنات النعيم ، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين .
فهد بن احمد النغيمش
امام وخطيب جامع التويم بسدير